هشام جعيط

130

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

بذله من جهد عظيم لتخيل الأمور وتجميعها وذلك لأنه حاول التوفيق بين هذه المصادر المتنوعة وتوحيد العصور ملحا مع هذا على العصر الأموي . ولنقتصر فيما يخصنا على القاعدة الصلبة الواضحة لرواية سيف ، تضاف إليها الاستفهامات والشكوك التي أحاطت بها والتي تبرر وضع أكثر من مخطط لمواقع القبائل ، على أن تتمّ مواجهتها بعد ذلك بالتغييرات الحاصلة . قطائع العشائر والتقلبات الأولى إن ما رواه سيف هو مخطط أساسي دام قرنين . لكن ما هي تفاصيله ؟ لقد مر بنا أن هناك خططا كانت على شكل قطائع تفصل بينها سكك واسعة وتجمع بكل خطة قبيلة واحدة أو مجموعة متكونة من فرعين تابعين للقبيلة . وحدد تنظيم التخطيط الخطط وسلمها إلى أصحابها . هذا التنظيم من عمل السلطة ومستشاريها ، إذ لا يمكن مجاراة اليعقوبي حين يقول : « فاختطت كل قبيلة مع رئيسها » « 1 » عادة حول جبانة ما ، بصفتها نقطة مركزية للوجود القبلي ، وهي نقطة ماء أيضا كما يظهر . وعلى النقيض من ذلك ، لا بد أن تدخل رؤساء القبائل كان نشيطا ، لتهيئة الخطط من الداخل ، وتحديد مكان كل عشيرة ضمن المجموعة . وقد لعبت القرعة دورا في هذا الموضوع وكذلك تحكيم الرؤساء . لا شك أن الخطط الفرعية العشائرية هي التي أشار إليها النص باسم القطائع « 2 » ، وفرضت السلطة أبعادها على شكلية واحدة فيما يبدو ( باستثناء بني ضبّة ونجهل سبب ذلك ) . ومن الواضح أن الستين ذراعا المذكورة تخص العرض والأمر نفسه بالنسبة للسكك والمناهج والأزقة ، وقد صنف المؤلف القطائع في المرتبة نفسها « 3 » . تتسع إذن قطيعة كل عشيرة إلى عرض 46 ، 32 مترا ، في حين أن طولها غير محدد ، وهي محاطة بنسق كامل من السكك والأزقة التي يتضاءل عرضها تدريجيا والتي تقسم كل طريدة قبيلة . ولنتابع مرة أخرى سيفا حيث يقول : « فهذه مناهجها العظمى وبنوا مناهج دونها تحاذي « 4 » هذه ثم تلاقيها ، وأخر تتبعها

--> ( 1 ) كتاب البلدان ، ص 310 : لم تجر الأمور على هذا النحو إلّا بعد أن سلمت السلطة الخطط . ( 2 ) لسان العرب ، ج 8 ، ص 381 : يحدّد الشافعي الطابع الوقتي للقطائع ويضاهيها بالأسواق بحيث أنه عندما يغادر شخص الموقع ، يمكن لغيره أن يستقر بالمكان « كأبنية العرب وفساطيطهم فإذا انتجعوا لم يملكوا بها » . القطيعة إذن هبة من السلطة لكن مرتبطة بالإقامة ، ويمكن أن تصير دائمة في واقع الأمر . راجع أيضا الزبيدي ، تاج العروس ، ج 5 ، ص 474 وما بعدها . ( 3 ) سيف في تاريخ الطبري ، ج 4 ، ص 44 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . هذه كلمة جوهرية اطلاقا ، وهي تتحكم في فهم نسق الطرق وبنية الخطط القبلية . -